الاثنين، 10 أكتوبر، 2011

(وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ *) بقلم : د. زغلول النجار

هذا النص القرآني الكريم جاء في خواتيم النصف الأول من سورة " النمل " ، وهي سورة مكية     ، وآياتها ثلاث وتسعون ( 93 ) بعد البسملة ، وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى وادي النمل الذي مر به النبي الصالح سليمان وجنوده ، فنطقت نملة بلغتها الخاصة بها آمرة بقية أفراد مستعمرتها من النمل بالدخول إلى مساكنهم ، محذرة إياهم من إمكانية أن يطأهم سليمان وجنوده بأقدامهم أو بحوافز خليهم فيحطمونهم (وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) وفي ذلك ما يثبت أن النمل – كغيره من مخلوقات الله له قدر من الوعي والإدراك ، والشعور والانفعال ، وله لغة وقدره على التخاطب والفهم, والعلوم المكتسبة ، قد بدأت بالفعل في التوصل إلى إثبات ذلك فيما يعرف اليوم باسم " علم سلوك الحيوان " أو " علم ذكاء الحيوان " .
   وسورة " النمل " كغيرها من سور القرآن الكريم من مَثل سورة " الشعراء" السابقة عليها ، وسورة " القصص" ، اللاحقة بها في ترتيب سور المصحف الشريف – تستعرض قصص عدد من الأمم الهالكة من أجل استخلاص الدروس والعبر من مواقف الظالمين من تلك الأمم تجاه أنبيائهم حتى نفهم مواقف الكفار والمشركين من الرسالة الخاتمة من زمن الوحي وإلى زماننا وحتي قيام الساعة ، ونفهم موقف أهل الباطل من  الحق وأهله فنتعلم كيفية التعامل مع الباطل وجنده .
   ويدور المحور الرئيسي لسورة النمل حول قضية العقيدة الإسلامية – شأنها في ذلك بشأن كل السور المكية .
  هذا وقد سبق لنا استعراض سورة " النمل " وما جاء فيها من ركائز العقيدة والتشريعات الإسلامية، والإشارات الكونية ، ونركز هنا على وقضية الإعجازالإنبائي والتاريخي في عرض القرآن الكريم قصة إحدي ملكات مملكة " سبأ " مع عبد الله ونبيه سلميان بن داود – عليهما السلام .

من أوجه الإعجاز الإنبائي والتاريخي في عرض القرآن الكريم
لقصة عبد الله ونبيه سليمان بن داود – عليهما السلام –
مع إحدي ملكات مملكة " سبأ "
   يشير القرآن الكريم إلى أن الله – تعالى -  سخر الطير لعبده ونبيه سليمان بن داود - عليهما السلام – فيما سخر له من الخلق ، وكان من تلك الطيور المسخرة ، الهدهد ، وفي يوم من الأيام تفقده سليمان فلم يجده ، فتوعده بعقاب منه إن لم يأته بعذر مقبول عن تغيبه ، وفي ذلك يقول القرآن الكريم، (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لاَ أَرَى الهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الغَائِبِينَ * لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ * أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ* اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ *)                                   ( النمل : 20 – 26 ) .
  وهذه الواقعة ترجع إلى القرن العاشر قبل الميلاد لأن فترة حكم سليمان امتدت بين             (961 ، 922 ق . م ) ، وتاريخ " سبأ " يعود إلى منتصف الألفية الثالثة قبل الميلاد ( في حدود 2500 ق . م ) لأنهم عاصروا ملوك " أور" ، ثم الآشوريين. وأمتد حكم خلفائهم من بني حِمْيِر "     ( ملوك سبأ وبني ريدان ) من القرن الثاني قبل الميلاد إلى ما بعد ميلاد المسيح – عليه السلام – ووصول دعوته إلى اليمن ، وبدء الصراع بين اليهودية التي كان قد اعتنقها عدد من حكام " حِمْيِر "   ، والنصرانية التي كانت قد بدأت تنتشر بين أهل اليمن ، وخاصة في " نجران " حيث وقعت قصة " أصحاب الأخدود ": وتعذيب مؤمني النصاري بواسطة" ذي نواس " مما أدي إلى تدخل نصاري الأحباش ، وتلي ذلك قصة سيف بن ذي يزن الحميري الذي حارب الأحباش بمساعدة الفرس حتي طردهم من اليمن .
   وكان الفيلسوف اليوناني ثيوفراسطس ( حوالى 287 ق . م . =Theophrastus  ) أول من كتب عن قوم " سبأ " – فيما نعلم – ووصفهم في تاريخه بأنهم من سكان المنطقة الجبلية في جنوب غرب الجزيرة العربية والتي كانت تنتج الطيب واللبان والمر والقرفة وتصدرها إلى مختلف بلدان العالم ، وتحدث عن " معبد الشمس " الذي كان مقدسا ًفي أرض  مملكة " سبأ " ، وقد اكتشف حديثا في منطقة مأرب آثار وصفت بأنها من عجائب الدنيا ومن ضمنها معبد كبير لعبادة الشمس . ومن المعروف أن كلا من الشمس ، والقمر ، والزهرة ( عشتروت ) كانت تعبد في أزمنة الجاهلية في اليمن وفي غيرها من البلاد المجاورة .
   وإثبات الكشوف الأثرية لأكثر من معبد من معابد الشمس في أرض مملكة سبأ مما يؤكد صدق خبر الهدهد الذي أوردته الآيات الكريمة في سورة " النمل " بقول ربنا – تبارك وتعالى – على لسانه
  ( وَجَدتُّهَا
وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ * أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ* اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ *) ( النمل : 25 ، 26 ) .
   وتؤكد هذه الآيات أيضا إيمان الهدهد بالله – تعالى - ، وتوحيده التوحيد الخالص ، ومعرفة شيء من صفات هذا الخالق العظيم الذي أحاط علمه بكل شيء ،فلا يخفي على علمه شيء في الأرض ولا في السماء ، والذي لا شريك له  في ملكه ، ولا شبيه له من خلقه ، ولا منازع له في سلطانه ، مما يثبت أن لجميع المخلوقات غير المكلفة قدر من الوعي والإدراك والذكاء ، وقدر من الشعور والتأثر والانفعال كما يثبت لها إيمانا راسخا بالله – تعالى – قد يعجز عن الوصول إلى مثله كثير من الخلق المكلفين الذين وكلوا إلى إرادتهم الحرة فاستذلتهم الشيطاطين وأخرجتهم من دائرة الإيمان إلى الكفر ، وما دائرة التوحيد إلى الشرك ، ومن دائرة الاستقامة على منهج الله إلى دوائر الانفلات والضياع والخروج على أوامر الله كما حدث مع غالبية قوم " سبأ ".
   وقد انزعج النبي الصالح سليمان - عليه السلام – من شرك أهل " سبأ " وهو حامل لواء الدعوة إلى الإسلام القائم على التوحيد الخالص لله في أرض فلسطين وفي الممالك المجاورة لها ، فقال للهدهد :
(قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الكَاذِبِينَ * اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ                                                           ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ * )             ( النمل  : 27 ،  28) .
   وأطاع الهدهد أمر سيده سليمان وطار إلى بلاد اليمن ، وألقي ما حمله من كتاب إلى ملكة سبأ فتعجبت الملكة من ذلك الخطاب الذي القي إليها والذي يقول:
(إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنِّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ*)
                                                    ( النمل : 30 ، 31 )
   وتستمر الآيات في سورة " النمل " واصفة تفاعل ملكة " سبأ " مع خطاب سليمان – عليه السلام - وقد دعت أهل الحل والعقد في بلادها للتشاور معهم :
(قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ * قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُوْلُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ * قَالَتْ إِنَّ المُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ*)                            ( النمل : 32 – 35 ) .
   والقرآن الكريم لم يذكر اسم هذه الملكة ، ولكنها اشتهرت لدي المؤرخين باسم " بلقيس " وهو اسم أطلق على أحدي ملكات التبابعة ( 330 – 345 م ) ، بينما  عاشت ملكة سبأ التي عاصرت نبي الله سليمان في القرن العاشر قبل الميلاد،وقد يكون اسما ًعلى مسمي، وقد لا يكون .
   ويذكر القرآن الكريم رد سليمان على النحو التالى : (فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ * ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهَُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ * )                         ( النمل : 36 ، 37 ) .
  فأقبلت الملكة مع وفد كبير من مملكة سبأ في طريقها إلى بيت المقدس للتفاوض مع سليمان – عليه السلام – وقبل وصولها أراد هذا النبي الصالح أن يعد لها مفاجأة فناشد الملأ من أهل حاشيته بما ذكره القرآن الكريم في الآيات التالية :
(قَالَ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِراًّ عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ *)                ( النمل : 38 – 40 *)
وبعد وصول عرش ملكة " سبا " إلى القدس أمر النبي سليمان صناعه المهرة أن يغيروا شيئا من ملامح ذلك العرش ليري هل ستهتدي الملكة إلى عرشها الذي تركته وراءها في مملكة " سبا " أم لا ؟ ،وهل ستفزع إذا تأكدت أنه هو من سرعه نقلة إلى القدس أم لا ؟ وهل ستدرك شيئاً من النعم والمواهب التي مَنَّ الله – تعالى – بها على عبده ونبيه سليمان فتؤمن معه أم لا ؟ وفي ذلك يسجل القرآن الكريم ما يلي :
(قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ * فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا العِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ * وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ * )                                        ( النمل : 41 – 43 )
وجملة (أُوتِينَا العِلْمَ مِن قَبْلِهَا) هي من قول سليمان ، وقالها ثناء على الله – تعالى – وتحدثا بنعمه وأولها نعمة الإسلام. والكلام يوحي بأن ملكه" سبا " أسلمت في هذا الموقف لأن من معانيه : أنها وإن هديت إلى دين الله الحق ، لكن سليمان وقومه كانوا قد أوتوا العلم من قبلها وكانوا مسلمين من قبل أن تعلن هي إسلامها .
ومع انبهارها بمعجزه الإتيان بعرشها من أرض سبأ إلى القدس في زمن قياسي ، أراد سليمان أن يبرهن لها على نبوته ، وكان قد اعد لاستقبالها ساحة خاصة لقصره ، صنعت أرضيتها من الزجاج الأملس الصافي كالبلور والذي يغطي بركة من ماء يري من تحته وفي ذلك تقول الآيات: (قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ * ).                  ( النمل ؛: 44 )
و( الصرح ) هو الصحن والساحة ، وهو مقدمة القصر ، و(ممرد) أي أملس و(القوارير)هنا معناها الزجاج الصافي كالبلور الذي يشف عما تحته ، و ( اللجة ) هي الماء الغزير العميق كالبحر  وبذلك يختتم هذا الموقف بين النبي الصالح سليمان بن داود – عليهما السلام – وملكه " سبأ " في زمانه ، دون أن يدخل القرآن الكريم في تفاصيل اسمها ، أو فيما روجته الإسرائيليات عن زواجه منها ، وهل أنجب منها أم لا ؟
لأن العبرة من هذا الموقف كله هو إرشادنا إلى من ضرورة الدعوة إلى دين الله بكل أسلوب ممكن ، وهو واجب المسلم في كل زمان ومكان آيا كان شانه ومقامة وأيا كانت منزلته وإمكاناته.
واستعراض القرآن الكريم لقصة عبد الله ونبيه سليمان مع ملكة مملكة " سبأ " في زمانه يمثل وجها من أوجه الأعجاز الإنبائي والتاريخي في كتاب الله ، وذلك لأن كتب الأوليين المتوافرة بين أيدي الناس اليوم لا تحمل شيئا من تلك التفاصيل التي جاء بها القرآن الكريم ، والمقارنة الموضوعية تثبت ذلك بمنتهي الوضوح  .
(هذة الفقرة لم تنشرها جريدة الأهرام)
 فقد جاء في الإصحاح العاشر من " سفر ملوك الأول " وهو أحد إسفار " العهد القديم " أن ملكة " سبأ " هي التي سمعت بخبر سليمان وليس العكس ، فأتت إلى القدس بموكب أفاض هذا " السفر " في وصفه ، وفي وصف الهدايا المتبادلة بين الجانبين دون عبرة واحدة يمكن أن تستقي من هذا السرد الركيك الذي لم يقصد منه سوي التعظيم الباطل لشان اليهود فوق جميع خلق الله وهي النغمة المفتعلة والمستمرة في جميع أسفار ذلك " العهد " .
ثم تفاجأ في الإصحاح الحادي عشر من " سفر ملوك الأول " باتهام النبي الصالح سليمان بأنه كفر بالله ، وأشرك به ، وعبد مع زوجاته وسراريه ( الذين بلغ عددهم ألف امرأة ) عبد النجوم والشمس والقمر والكواكب مثل الزهرة ( عمشتروت " معبودة أهل صيدا ،" وملكوم " رجس العمونيين ،" وكموش " رجس المؤابيين ، و"ولملوك " رجس بني عمون ) ، وهو كلام لا يقبله العقل ، ولا يرتضيه المنقط السوي.
ومن هنا كان في عرض القرآن الكريم لتلك الواقعة شهادة لهذا الكتاب العزيز بأنه كلام الله الخالق ، الذي أنزله بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله ، وحفظه بعهده الذي قطعة على ذاته العلية ، في نفس لغة وجيه ( اللغة العربية ) وحقق هذا العهد على مدي أربعة عشر قرنا أو يزيد ،وتعهد بهذل الحفظ تعهدا مطلقا حتي يبقي القرآن الكريمً شاهداً على الخلق أجمعين إلى ما شاء الله ، ويبقي حجته البالغة على جميع عباده كما يبقي شاهدا للنبي الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة فصلي الله وسلم وبارك عليه وعلى اله وصحبة ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين ، واخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

"يسألونك عن الأهله...." بقلم د: زغلول النجار


بسم الله الرحمن الرحيم
من أسرار القرآن :
(368) ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ...*)
 (البقرة: 189).
بقلم
الأستاذ الدكتور/ زغلول راغب النجار
هذا النص القرآني الكريم جاء في بداية الثلث الأخير من سورة "البقرة", وهي سورة مدنية, وآياتها مائتان وست وثمانون (286) بعد البسملة, وهي أطول سور القرآن الكريم على الإطلاق, وتأتي بعد فاتحة الكتاب مباشرة. وقد سميت السورة الكريمة بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى معجزة حسية أجراها الله- تعالى- على يدي عبده ونبيه موسى- على نبينا وعليه من الله السلام- حين تعرض شخص من قومه للقتل , ولم يُعرف قاتله , فأوحى الله- سبحانه وتعالى- إلى عبده موسى أن يأمر قومه بذبح بقرة , وأن يضربوا جثة الميت بجزء منها فيحيا بإذن الله , ويخبر عن قاتله ثم يموت , وذلك إحقاقاً للحق , وشهادة لله- تعالى- بالقدرة على إحياء الموتى .
    هذا , وقد سبق لنا استعراض سورة "البقرة" , وما جاء فيها من تشريع , ومن ركائز العقيدة , ومن دعوة إلى الالتزام بمكارم الأخلاق , وقصص , وإشارات كونية , ونركز هنا على أوجه الإعجاز العلمي والتشريعي في التأكيد على أهمية الشهر القمري في تحديد الزمن النسبي لأهل الأرض , والإعجاز التشريعي في فريضة الحج.
أولاً: من أوجه الإعجاز التشريعي والعلمي في اختيار الأهلّة مواقيت للناس:
     القمر هو أقرب أجرام السماء إلى الأرض، إذ يدور حولها في فلك شبه دائري يبلغ طوله حوالي (2.4) مليون كم , ويبلغ متوسط نصف قطره (أي بعده عن مركز الأرض) (384.400) كم , ومن هنا فإن حركته بالنسبة لأهل الأرض هي أكثر الحركات الفلكية انضباطاً. ففي أثناء هذه الدورة يقع القمر في وضع وسطي بين كل من الأرض والشمس وعلى استقامة واحدة مع مراكز هذه الأجرام الثلاثة , وبذلك يواجه القمر الأرض بوجه مظلم تماماً, وتسمى هذه المرحلة باسم (مرحلة الاقتران) , أو (المحاق) , وتستغرق هذه المرحلة ليلة واحدة أو ليلتين , ثم يتحرك القمر ليخرج عن الاستقامة الواصلة بين مراكز هذه الأجرام الثلاثة فيولد (الهلال) الذي تحدد رؤيته عقب غروب الشمس ( لمدة لا تقل عن عشر دقائق) بداية الشهر القمري الجديد. وباستمرار تحرك القمر في دورته حول الأرض تزداد مساحة الجزء المنير من وجهه المقابل للأرض بالتدريج حتى يصل إلى (التربيع الأول) في ليلة السابع من الشهر القمري, ثم إلى (الأحدب الأول) في ليلة الحادي عشر, ثم إلى (البدر الكامل) في ليلة الرابع عشر, وفيها تكون الأرض بين الشمس من جهة, والقمر من الجهة الأخرى.
وبمزيد من تحرك القمر حول الأرض تبدأ مساحة الجزء المنير من وجهه المقابل للأرض تتناقص بالتدريج حتى يتحول البدر إلى (الأحدب الثاني) في حدود ليلة الثامن عشر , ثم إلى (التربيع الثاني) في ليلة الثالث والعشرين , ثم إلى (الهلال المتناقص) في ليلة السادس والعشرين من الشهر القمري , ويستمر في هذه المرحلة لليلتين حتى يصل إلى مرحلة (المحاق) في آخر ليلة أو ليلتين من الشهر القمري حين يعود القمر إلى وضع الاقتران .
ولما كان القمر يقطع في كل يوم من أيام الشهر القمري حوالي (12) درجة من درجات دائرة البروج (360 درجة ÷ 29.5 يوماً – 12.2 درجة ), فإنه يقع في كل ليلة من ليالي الشهر القمري في منزل من المنازل التي تحددها ثوابت من النجوم أو من تجمعاتها الظاهرية حول دائرة البروج , وهذه المنازل هي ثمانية وعشرون منزلاً, بعدد الليالي التي يُرى فيها القمر , وتعرف باسم ( منازل القمر).
ولما كان القمر يجري مع الأرض حول الشمس ليتم دورته الشمسية السنوية فإنه يمر عبر البروج السماوية الإثني عشر التي تقع فيها الشمس في كل شهر من شهور السنة الشمسية . وعلى ذلك فإن كل منزل من منازل القمر اليومية يحتل مساحة في برج من هذه البروج .
وفي الحضارات القديمة عرف الناس دورة القمر من المحاق إلى المحاق , أو من الهلال الوليد إلى الهلال المتناقص , كما عرفوا منازل القمر الثمانية والعشرين , واستخدموا ذلك في تحديد الزمن , وفي التأريخ للأحداث , ويبدو أن ذلك من بقايا الحقب القديمة .
من هنا يأتي وجه الإعجاز العلمي والتشريعي في التأكيد على أهمية الشهر القمري في تحديد الزمن النسبي لأهل الأرض بدقة فائقة , أما الزمن المطلق فلا يعلمه إلا الله- تعالى- وعلى ذلك فإن سنة المسلمين هي سنة قمرية / شمسية , يحدد الشهر فيها دورة كاملة للقمر حول الأرض , ويحدد السنة فيها دورة كاملة لكل من الأرض والقمر حول الشمس . والفارق الزمني بين الإثني عشر شهراً قمرياً, والدورة الكاملة للأرض والقمر حول الشمس هي في حدود (11 يوماً), وذلك يحرك عبادة المسلم عبر الفصول المناخية رحمة بالناس , وإشعاراً لهم بحركة الزمن , ولذلك قال- تعالى- موجّهاً الخطاب إلى خاتم أنبيائه ورسله- صلى الله عليه وسلم- ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ...*).
 و(الأهلة) جمع (هلال), وهو تعبير عن مراحل القمر من الهلال الوليد إلى البدر الكامل ومنه إلى الهلال المتناقص حتى المحاق .
ومن أسباب نزول هذه الآية الكريمة أن كلاًّ من معاذ بن جبل وثعلبة بن عثمة- رضي الله عنهما- قالا : يا رسول الله ! ما بال الهلال يبدو ويطلع دقيقاً مثل الخيط, ثم يزيد حتى يعظم ويستوي , ثم لا يزال ينقص ويدقّ حتى يعود كما كان , لا يكون على حال واحد ؟ فنزلت هذه الآية الكريمة توضح لهم أن الأهلة هي أفضل وسيلة لتحديد الزمن لأهل الأرض وتحديد الأوقات المضروبة لعباداتهم من مثل أوقات صومهم وفطرهم, وأداء زكاتهم, وحجّهم, وأوقات معاملاتهم من مثل حساب عدة نسائهم, وأوقات حلول ديونهم, وأزمنة وفاء شروطهم المؤجلة, وغير ذلك من أمور دينهم ودنياهم.
ثانياً: من أوجه الإعجاز التشريعي في فريضة الحج:
الحج يعني قصد المسلم مكة المكرمة مُحرماً من الميقات المحدد في أشهر الحج, والوقوف بعرفة, وما يتبع ذلك من مناسك, يؤديها المسلم البالغ العاقل, الحر, المستطيع (ذكراً كان أو أنثى) ولو لمرة واحدة في العمر, وذلك طاعةً لله- تعالى- واستجابة لأوامره , وطلباً لمرضاته. والحج هو أحد أركان الإسلام الخمسة, وهو فرض من الفرائض المعلومة من الدين بالضرورة , وهو حق لله- تعالى- على المستطيعين من عباده لقوله- جل في علاه-:  (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (آل عمران:97).
والحج هو عبادة من أجل العبادات وأفضلها عند رب العالمين وذلك لما رواه أبو هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سئل " أي الأعمال أفضل ؟ قال : إيمان بالله ورسوله, قيل : ثم ماذا ؟ قال : ثم جهاد في سبيل الله , قيل : ثم ماذا ؟ قال: ثم حجٌّ مبرور " (والحج المبرور هو الذي لا يخالطه إثم) (البخاري ومسلم).
وأصل العبادة الخضوع لأوامر الله- تعالى- بالطاعة, ومن هنا فإن العبادة لا تحتاج إلى تبرير, ولكن إذا عُرفت الحكمة من وراء أداء العبادة فإن مؤديّها يتمكن من إتقان أدائها بطريقة أفضل, ويسلك في أدائها سلوكاً أنبل وأجمل, ويكون أجره على أدائها أوفى وأكمل.

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | Blogger Templates | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة